فقه الأولويات
من المفاهيم الشرعية التي يجب الاهتمام بها والنظر فيها ، ما اصطلح على تسميته بـ ( فقه الأولويات )
وحقيقته : وضع كل شيء في مرتبته بالعدل، من الأحكام والقِيَم والأعمال.
وذلك بأن يقدم الأَوْلى فالأَوْلى من العبادات ، فلا يقدم غير المهم على المهم، ولا المهم على الأهم، ولا المرجوح على الراجح، ولا المفضول على الفاضل، أو الأفضل ، بل يقدم ما حقه التقديم، ويُؤخِّر ما حقه التأخير، ولا يُكبر الصغير، ولا يهوُن الخطير، بل يضع كل شيء في موضعه بالقسطاس المستقيم، بلا طغيان ولا إخسار، كما قال تعالى: (والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) (الرحمن: 7 - 9).
يؤكد هذا ويقرره أن المأمورات التي أتت بها الشريعة الإسلامية ، والمنهيات التي حذرت منها ، ليست في رتبة واحدة ، وإنما هي متفاوتة على درجات ، ومن ذلك مفاضلة النبي – صلى الله عليه وسلم – بعض العبادات على بعض كما في قوله : ( الإيمان بضع وستون شعبة ، فأفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ، والحياء شعبة من الإيمان ) رواه الشيخان ، وقوله : ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ ؛ بسبع وعشرين درجة ) رواه الشيخان .
وبالمقابل فقد قارن الشرع المطهر بين الذنوب ، فاعتبر بعضها أشد من بعض ، فاعتبر الشرك أعظم الذنوب كما قال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) ، كما اعتبر النبي – صلى الله عليه وسلم بعض الذنوب موبقات دون ذنوب أخرى كثيرة كما في قوله : (اجتنبوا السبع الموبقات ) . قالوا يا رسول الله وما هن ؟ قال ( الشرك بالله ، والسحر ، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ، وأكل الربا ، وأكل مال اليتيم ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات )رواه البخاري ومسلم ، كما قارن النبي – صلى الله عليه وسلم –بين الزنا والربا فقال : (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية ) رواه أحمد والدارقطني .
وبسبب جهل الناس بهذا الميزان الشرعي وقعوا في بعض التصرفات التي تنقضه ، فعلى سبيل المثال نجد أن بعض الناس يتبرع لبناء مسجد مزخرف منمق بمئات الآلاف من الدنانير ولا يقدم ديناراً للدعوة إلى الإسلام ، أو ينفق أموالاً طائلة على رحلات الحج والعمرة الفارهة ولا ينفق شيئاً على دعم نشر الإسلام أو تفريغ الدعاة ، أو يهتم بالنوافل من العبادات كصيام الاثنين والخميس – مثلاً - ويقصر في بعض الفروض كبر الوالدين وصله الأرحام ، أو يهتم بصوم رمضان ولا يهتم بالصلوات الخمس المفروضة ، أو يهتم بفروع المسائل الفقهية الخلافية مثل : (أين تلبس الساعة..؟) (حكم لبس البنطلون؟) (الأكل على المنضدة) ، وينسى قضايا الاعتقاد كالشرك والسحر والطواف بالقبور وسب الصحابة والولاء والبراء .
ومن هنا أتت الشريعة الإسلامية فأوجدت حلاً لهذه الإشكاليات الثقافية ، وذلك من خلال هذه القواعد :
القاعدة الأولى : تقديم العلم على العمل :
الأصل أن يقدم العلم على العمل ، ولنا في القرآن الكريم عبرة حيث إن أول آية نزلت هي قوله تعالى : (اقرأ باسم ربك الذي خلق . خلق الإنسان من علق .اقرأ وربك الأكرم . الذي علم بالقلم . علم الإنسان ما لم يعلم ) سورة العلق 1 – 5 فأُمر النبي بالعلم قبل العمل، ولم يبدأ بالعمل إلا بعدما نزل عليه : ( يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر ) وذلك بعدما أدرك حقيقة الدين وما يهدف إليه .
كما يدل لهذه القاعدة قوله تعالى : ( فاعلم انه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك ) فبدأ بالعلم قبل القول والعمل ، وقوله تعالى : (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ) والبصيرة هي العلم .
وبسبب مخالفة هذه القاعدة تجد من يفتي الناس بغير علم ، كما ورد في سنن أبي داود عن جابر – رضي الله عنه – قال :خرجنا في سفر فأصاب رجلا منا حجر فشجه في رأسه ثم احتلم ، فسأل أصحابه فقال هل تجدون لي رخصة في التيمم ؟ فقالوا : ما نجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء. فاغتسل، فمات، فلما قدمنا على النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بذلك فقال: ( قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده).
كما تجد – بسبب مخالفة هذه القاعدة - من يشدد على المسلمين ، وقد قالت عائشة رضي الله عنها قالت : (ما خير -النبي صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يأثم، فإذا كان الإثم كان أبعدهما منه)
وروى الشيخان عن أنس بن مالك - رضي الله عنه – قال : جاء ثلاث رهط إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادة النبي -صلى الله عليه وسلم-. فلما أخبروا؛ كأنهم تقالوها، فقالوا أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج. أبدا فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) .
القاعدة الثانية : الأصل أن يقدم العمل الدائم على العمل المنقطع :
حثت الشريعة الإسلامية على تقديم العمل الدائم – ولو كان قليلاً – على العمل المنقطع – ولو كان كثيراً - كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم - : (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل) متفق عليه .
ومن هنا فإن من يوقف ديناراً ليستثمر ، يخصص ريعه لنشر العلم – مثلاً – خير من الذي تصدق بعشرة دنانير لمرة واحدة .
القاعدة الثالثة : تقديم العمل المتعدي نفعه على القاصر :
حثت الشريعة الإسلامية على تقديم العمل المتعدي - ولو كان قليلاً – على العمل الذي يقتصر نفعه على الفاعل وحده – ولو كان كثيراً – ومن هنا قدمت الشريعة الإسلامية العالم على العابد كما قال -صلى الله عليه وسلم- : ( إن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب) .
وعلى قدر ما ينتفع بعلم هذا العالم تزداد حسناته كما قال – صلى الله عليه وسلم - : ( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا ).
ومن هنا رأى بعض الفقهاء أن الفقير المتفرغ للعلم يعطى من الزكاة بينما الفقير غير المتفرغ للعلم لا يعطى من الزكاة إذا كان قادراً على العمل .
فهذه بعض القواعد التي أتت بها الشريعة الإسلامية في هذا الباب ، وأحب أن أشير هنا إلى أنه لا يصح تقديم الكم والحجم على الكيف والنوع ، إذ ليست العبرة بالكثرة في العدد، ولا بالضخامة في الحجم ، بدليل نقض القرآن الكريم مبدأ الكثرة في أكثر من موضع ، ومن ذلك قوله تعالى : ( ولكن أكثر الناس ليعلمون) وقوله : (وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله) وقوله : (إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) وقوله : (وقليل من عبادي الشكور) ، ويقول النبي – صلى الله عليه وسلم – : ( الناس كإبل مائة لا يجد الرجل فيها راحلة ) .
وبسبب اهتمام الناس بميزان الكثرة أصبح المسلمون جموعاً غفيرة بلا فائدة تذكر ، مما جعل الأمم الأخرى تتسلط علينا ، وحالنا كما قال -صلى الله عليه وسلم- : (يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ) فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال : ( بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن) فقال قائل يارسول الله وما الوهن ؟ قال: (حب الدنيا وكراهية الموت (.
وقد قص علينا القرآن الكريم خبر المسلمين في بدر حيث إنهم كانوا أقلة مقارنة بعدوهم كما قال تعالى: ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) فالمسلمون كانوا قليلين لا يتجاوز عددهم 317 رجلاً، وكان الكافرون يفوقونهم عدداً وعدة إذ بلغ عدد مقاتليهم أكثر من 1000 رجل ، ومع هذا انتصر المسلمون بقدرة الله تعالى وقوته كما قال تعالى : ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ) .
كما أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى غزوة حنين لما أعجب بعض من كان قد أسلم حديثاً بكثرة المسلمين فدارت الدائرة على المسلمين في أول المعركة فقال تعالى : ( يوم حنين إذ ا أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ) .
ومن نظر في سيرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - علم أن عنايته كانت بالنوع لا بالكم ، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه - أنه كان يجتني سواكا من الأراك وكان دقيق الساقين فجعلت الريح تكفؤه فضحك القوم منه فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مم تضحكون ؟ قالوا يا نبي الله من دقة ساقيه فقال : ( والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد ) . ولذا جاء التوجيه النبوي في هذا المقام بقوله : ( إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم. وأشار بأصابعه إلى صدره ) رواه مسلم ، وروى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ( إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة . وقال اقرؤوا إن شئتم (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ) .
ومن قرأ سير الصحابة – رضي الله عنه – سيزيد إيمانه إيماناً بهذه القاعدة ، يروي لنا التاريخ أن عمر بن الخطاب بعث عمرو بن العاص – رضي الله عنهما - لفتح مصر، ومعه أربعة آلاف جندي فقط، ثم طلب منه مدداً، فأمده بأربعة آلاف، ومعهم أربعة، قال عمر: كل واحد منهم بألف، واعتبر المجموع اثني عشر ألفا! ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة ( مما يؤكد أن عمر كان مؤمنا بأن العبرة بنوع الرجال وقدراتهم ومواهبهم لا بأعدادهم وأحجامهم ) ، وروي عنه أنه جلس يوما مع بعض أصحابه في دار رحبة، فقال لهم: تمنوا، فقال أحدهم: أتمنى أن يكون لي ملء هذه الدار دراهم من فضة أنفقها في سبيل الله، وتمنى آخر أن يكون له ملؤها ذهبا ينفقه في سبيل الله، أما عمر فقال: لكني أتمنى ملء هذه الدار رجالا مثل أبى عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبى حذيفة، فأستعملهم في سبيل الله.